الشيخ محمد آصف المحسني
37
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن ، من باب وجوب المعرفة لنفسها كمعرفة الواجب وصفاته أداء لشكر بعض نعمائه » « 1 » . فقد جعل المعرفة نفسها شكرا له . وأورد عليه بعض الأعيان من تلاميذه : « من أن هذه المعرفة ليست مصداقا للشكر ، بل ما هو مصداقه معرفة المنعم بما هو منعم لا بذاته ؛ لأن الحيثية التعليلية - وهي المنعمية لوجوب الشكر - حيثية تقييدية له ، كما في جميع الأحكام العقلية ، فلا تجب معرفة الذات لأنعامه نفسا ، بل مرجعه إلى معرفة ( هكذا ) وجوب معرفة الذات مقدمة لمعرفته بالمنعمية ، مع أن المقصود إثبات وجوب المعرفة نفسها » « 2 » . أقول : أما ما ذكره في الكفاية فقد عرفت ما فيه ، وأما ما ذكره هذا المحقق من إرجاع الحيثيات التعليلية إلى الجهات التقييدية في هذا المقام وغيره ففيه كلام ؛ لإمكان رجوع الأولى إلى الواسطة في الثبوت والثانية إلى الواسطة في العروض . الثاني : ما أفاده هذا المحقق المذكور . قال : « لنا طريق برهاني إلى وجوب تحصيل معرفته تعالى وهو أنّ كلّ عاقل بالفطرة السليمة يعلم أنّه ممكن حادث معلول لمن لم يكن مثله في الإمكان والحدوث . . . » . ومن البيّن بعد التصديق بوجود المبدأ أن النفس في حدّ ذاتها قوّة محضة على إدراك المعقولات التي هي كمالها ، وأشرف الكمالات النفسانية معرفة المبدأ بذاته وصفاته وأفعاله بالمقدار الممكن ، فإن شرف كل علم وعقل بشرف معلومه ومعقوله ، وأفضل موجود وأكمله وجود المبدأ ، فمعرفة المبدأ أشرف كمال وفضيلة للنفس ، وبها نورانيتها ، وبها حياتها ، كما أنه بعدم المعرفة أو بما يضادها ظلمانيتها وموتها . . . « 3 » الخ ، ولعلّ ما أفاده بعض الأفاضل « 4 » راجع إلى هذا المعنى ، بل يمكن نسبة ذلك إلى جميع الفلاسفة أيضا كما يظهر من القوانين « 5 » أيضا ، لكنه مع اختصاصه ببعض آحاد الناس وعدم جريانه في حقّ أغلب افراد النوع ، لا يثبت الوجوب المستتبع مخالفته استحقاق العقاب كما لا يخفى ، مع أنه المقصود لا غيره ، إلّا أن يتشبّث بحديث تجسّم الأعمال المزيّف عندنا على نحو سيمرّ بك في المقصد الخامس إن شاء اللّه . فالمتحصّل : أن المعرفة لم يثبت وجوبها النفسي بشيء من هذه الوجوه ، والصحيح أن يقال : إن المعرفة واجبة شرعا بالضرورة الدينية ، وهل الغرض الأهم من إرسال الرسل وإنزال الكتب
--> ( 1 ) كفاية الأصول 2 / 154 . ( 2 ) نهاية الدراية 2 / 155 ، ج ص 409 طبعة الحديثة . ( 3 ) نهاية الدراية 2 / 158 ، ج 3 ص 414 ، 415 طبعة الحديثة . ( 4 ) الدين والاسلام 1 / 28 . ( 5 ) القوانين 2 / 168 .